ابن العظم
14
السر المصون ذيل على كشف الظنون
أولا : الحركة الدينية وتشمل البحث في التشريع والقرآن والتفسير والحديث ، وكان طبيعيا أن يحصل ذلك ، فالإسلام ما زال غضا طريا وجديدا على الناس وقد أخذ بألبابهم بتسامحه وواقعيته وعدالته فأقبل الناس على دراسته وفهمه والتفقه فيه ، وكانت الصدور موئلا لهذه العلوم في زمن يفتقر إلى التدوين المنظم ويعتمد الرواية الشفوية ، وحمل الصحابة راية العلوم وقاموا بدورهم خير قيام وكان لكل صحابي تلاميذه وهم التابعون ثم جاء بعدهم تابعو التابعين ، وهنا برز دور الموالي في رعاية الحركة العلمية ، والملفت للنظر في هذه الحقبة أن الحديث كان أساسا لمعظم العلوم ، فقد كان جمعه أساسا لكل العلوم الدينية ، وتفرعت عنه علوم التفسير والفقه والسّيرة والطبقات وتأريخ الفتوحات وحتى العلوم اللسانية ، فوضع علم النحو كان مبعثه الخوف من وقوع اللحن في القرآن الكريم . ثانيا : الحركة التأريخية وتتمحور حول أخبار الأمم الماضية للاطلاع على كيفية سياسة الناس ، وحكم الشعوب . ونتج عن بروز دور الموالي العلمي ، دخول كثير من الأفكار الجديدة التي كان بعضها دسا ناتجا عن عصبية مقيتة وهو ما سمي بالإسرائيليات فيما بعد . وكان وراءه من دخل في الإسلام ظاهرا لتحقيق مكاسب خاصة ومن ثم يدخل في الإسلام ما ليس منه في محاولة للتخريب من الداخل ، وهنا نقف باحترام واكبار عظيمين أمام علمائنا الذين تعرّبوا وكان الإسلام جنسيتهم ووطنهم فقد ضربوا أروع الأمثلة في الورع والتقوى وخدموا الفكر والحضارة من خلال خدمة العلم . وقد تنبّه العلماء لخطورة الصنف المخرّب ، فكان علم التراجم والطبقات ، ومن بعدهما علم الجرح والتعديل ، ذلك الميزان الدقيق الذي يوزن به الرجال ، ولسنا في مجال الحديث عن مقومات هذا العلم ، وما يهمنا أن نوضح بأن التراجم فن من فنون التأريخ ، وكان الاهتمام به نابعا من اهتمامهم بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجمعه وضبطه والتأكد من ورع الراوي الضابط المتقن الواعي ، وقد عرفت عن الصحابة قاعدة تقول : « إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها » « 1 » . ولم يقتصر الأمر على المحدّثين في سلوك هذا الطريق وإنما قلّدهم رجال اللغة والأدب فرأينا للشعراء طبقات وللنحويين طبقات كما للمحدثين والفقهاء والمفسرين ، وطبّق النظام ذاته لدى اللغويين بذكر رجال السند كما نرى في كتاب « الأغاني » لأبي الفرج الأصفهاني .
--> ( 1 ) الخطيب البغدادي ، الرحلة في طلب الحديث ، ص 16 .